الراغب الأصفهاني

155

الذريعة إلى مكارم الشريعة

الموانع من تحري الفضائل وذلك ضربان : قصور ، وتقصير . فأما القصور فبأن لا يكون له المعاني العشرة التي قدمناها ، ولا التمكن من اكتسابها ، أو يكون له ذلك ولكن يعوقه عن استعماله عائق من مرض أو شغل ضروري يعذره ، كحاجته إلى السعي فيما يسد به جوعته ، ويستر به عورته ، وهما عدم الوسع المذكور في قوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 1 » ودواء الأمرين الفزع إلى اللّه والتضرع إليه أن يجبر نقصه بتمام جوده وسعة رحمته . وأما التقصير : فأربعة أشياء : الأول : أن يكون إنسان لا يعرف الحق من الباطل ، ولا الجميل من القبيح فبقي غفلا ، ودواءه سهل وهو التعليم الصائب . والثاني : أن يكون قد عرف ذلك لكن لم يتعود فعل الصالح ، وزين له سوء عمله فرآه حسنا ، فتعاطاه ، وأمره أصعب من الأول ، لكن يمكن أن يقهر على العادة الجميلة حتى يتعودها وإن كان قد قيل : ترك العادة شديد . والثالث : أن يعتقد في الباطل والقبيح أنه حق وجميل وتربى على ذلك ، ومداواة هذا أصعب جدا ، فقد صار ممن طبع على قلبه ، إذ قد تنقش بنقش خسيس ككاغد كتب فيه ما يؤدي حذفه منه إلى خرقه وفساده . والرابع : أن يكون مع جهله وتربيته على الاعتقاد الفاسد شريرا في نفسه يرى الخلاعة وقهر الناس فضيلة ، وذلك أصعب الوجوه ، وإلى نحوه قصد من قال : من التعذيب تأديب الذئب ليتهذب ، وغسل المسح « 2 » ليبيض .

--> ( 1 ) البقرة / 286 . . ( 2 ) المسح هو كساء من الشعر ، وهو ثوب الراهب ، وهو الحارة من الأرض ، وغسل الأسود منها لا يحيله أبيض - المعجم الوسيط / 2 / 875 .